وسط عقدة صراع القوى بحلب: نازحون سوريون يخسرون منازلهم ويطالبون بحق العودة

خرج مئات السوريين النازحين في ريف حلب الشرقي بمظاهرات في هذا الأسبوع، يطالبون بحقهم بالعودة إلى بلداتهم، التي تم إعلانها مناطق عسكرية، حين هزم نظام الأسد قوات تنظيم الدولة في المنطقة قبل  ثلاثة شهور.

وبدأت المظاهرات اليومية في يوم الجمعة الماضي في بلدتين من أكثر المناطق المحفوفة بالخطر في سورية: ريف حلب الشرقي، منطقة تحتشد بآلاف السكان النازحين وتقع في عقدة الصراع الإقليمي متعدد الأحزاب.

ويمتد الريف على مساحة من الأراضي تبلغ 300 كيلومتر مربع، من مركز المحافظة، ومن ثم شرقاً باتجاه نهر الفرات، وحتى الحدود التركية. وكان تنظيم الدولة يسيطر على كامل المنطقة من عام 2014 حتى آواخر عام 2016.

وعلى مدى أشهر، كان الثوار الذين تدعمهم تركيا والقوات التي يقودها الأكراد والجيش العربي السوري يتسابقون  للاستيلاء على الأراضي التي يتراجع منها تنظيم الدولة في شرقي حلب.

وكانت نتائج حلبة الصراع في المناطق التي يتنافس عليها الجميع حدودا تُرسم على عجل تتجدد وتعلو باستمرار، مما ترك آلاف السوريين مشردين، وعلى بعد بضعة كيلومترات فحسب من منازلهم ومساكنهم التي كانت تضمهم يوما وترعرعوا بها، وفق ما قال ستة من الأهالي النازحين لسوريا على طول، الخميس.

و”لا يريد الأهالي سوى فتح الطرق لهم للعودة، ونحن مستمرون بالتظاهر حتى نعود”، وفق ما قال الصيدلاني أحمد، وهو من بلدة تادف، الخاضعة لسيطرة النظام، لسوريا على طول، الخميس، وموجود حالياً في مدينة الباب، على بعد 3 كم شمالاً وتحت حكم ثوار الجيش السوري الحر الذين تدعمهم تركيا.

وأضاف “سيكون هناك خلال الاشهر القادمة أحاديث عن إقامة مخيمات جديدة، ونحن نرفض هذا، بما أن بيوتنا لا تبعد سوى كيلومترات قليلة عنا فلماذا يريدون منا أن نسكن الخيام؟”.

نازحو بلدة خفسة يتظاهرون، الأربعاء. حقوق نشر الصورة لـ وكالة أنباء هاوار.

وكانت أكبر مظاهرات الأسبوع في يوم الأربعاء، على بعد 25 كم جنوب منبج، في مدينة تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية التي يقودها الأكراد وتدعمها أميركا. وخرج أكثر من 100 سوري وهم يحملون لافتات تطالب نظام الأسد بالسماح لهم بالعودة إلى بلدتهم خفسة، 7 كم  جنوباً.

ولم يأت الإعلام الحكومي السوري على ذكر المظاهرات.

وكانت قوات الجيش العربي السوري انتزعت السيطرة على خفسة، وتبعد 5 كم غرب نهر الفرات، من تنظيم الدولة في آوائل أذار. وحالت السيطرة على خفسة من أي توغل جديد لقوات سوريا الديمقراطية في المنطقة، ومكنت النظام من التحكم بمضخة المياه الرئيسية التي تغذي مدينة حلب. بالإضافة إلى أن خفسة تقع فقط على بعد 14 كم إلى شمال جبهات معارك الجيش السوري التي يخوضها ضد تنظيم الدولة.

وذكر اثنان من المصادر المحلية لسوريا على طول أن النظام يجري محادثات مع ممثلين لقوات سوريا الديمقراطية للتفاوض في إمكانية عودة أهالي خفسة.

وقال أبو نادر عضو بلجنة المفاوضات، والذي شارك في مظاهرات يوم الأربعاء، لسوريا على طول “تم إعطاء قوات النظام السوري مهلة ليوم السبت وإذا لم ينسحبوا سوف نلجأ الى العمل المسلح”.

وفي مدينة الباب، على بعد 45 كم غرب خفسة، تظاهر عشرات السوريين على مدى الأسبوع ضد الوجود العسكري القريب للنظام.

وركزت المظاهرات التي بدأت يوم الجمعة الماضي على بلدة أخرى أيضاً كانت خط جبهة سابقاً، وأُفرغت من أهاليها الأصليين، وهي مخصصة الآن كمنطقة عسكرية، ألا وهي: تادف

وهزم نظام الأسد وحلفاؤه تنظيم الدولة في تادف،على بعد 3 كم جنوب الباب، في شباط. وفي الأسابيع التالية، تواجه الجيش السوري المتقدم مع ثوار الجيش السوري الحر الذين تدعمهم تركيا في تادف. وتبادل الطرفان  إطلاق النار على مدى عدة أيام، انتهى بهدنة وتقسيم البلدة إلى منطقتي نفوذ.

وطالبت المظاهرات التي استمرت لأيام خارج تادف الجيش السوري الحر بإعادة السيطرة على كامل المدينة ولو بالقوة.

إلا أن الجيش السوري الحر، قال أن إشعال معركة مع النظام لا يصب حالياً في مصلحتهم.

وقال أبو عبدو، قائد ميداني  في الجيش السوري الحر من مدينة الباب، “نعمل من أجل ضمان عدم نشوب اقتتال بين الطرفين من المدنين (موالاة ومعارضة). أما عن وجود النظام في المدينة فيمكننا مواجهته بالسلاح حين نعلم أن لا فتنة قد تحصل بين الأهالي”.

وأضاف “هناك مجموعات الشبيحة والتابعين للنظام داخل المدينة ولا نريد محاربتهم حتى لا نخلق أي نزاع بين الأهالي هذه الآونة”.

 غسل الأواني خارج منبج، 7 أذار، حقوق نشر الصورة لـ Delil Souleiman/AFP/Getty Images.

وفي شباط، أشارت وكالة أنباء سانا الحكومية إلى أن استعادة السيطرة على تادف “يشكل قاعدة انطلاق هامة لتطوير العمليات القتالية ضد تنظيم داعش الإرهابي في الريف الشمالي الشرقي لمدينة حلب”. ولم تذكر سانا المظاهرات العديدة التي خرجت حول تادف.

وبالنتيجة، الأهالي في خفسة، غير قادرين على العودة إلى تادف، حيث منازلهم وممتلكاتهم ومزارعهم، وفق ما قال ثلاثة من الأهالي لسوريا على طول. وجميعهم محتجزون خلف خطوط النظام.

على أن “بعض الأهالي استطاعو الوصول إلى منازلهم تحت جنح الليل” وكانت المشاهد التي وصفوها مليئة بالدمار والحرق والنهب، وفق ما قال بلال أبو الليث، ناشط مدني من أهالي تادف، وهو حالياً نازح في ريف الباب، لسوريا على طول. وأضاف “نحن مستعدون للعودة إلى المدينة، وعمل المستحيل لتهيئة المدينة وتأهيلها للسكن في حال تحرك الجيش الحر ودحر ما تبقى من قوات النظام المتمركز فيها”.

يذكر أن بلدة تادف هي بلدة زراعية، وأعرب ثلاثة من السكان عن مخاوفهم مع اقتراب موسم الحصاد، من فقدان محصول عام كامل.

وفر ما لا يقل عن 100 ألف شخص من منازلهم المنتشرة  ضمن أكثر من 150 قرية، في ريف حلب الشرقي، منذ بداية عام 2017.

وقال خليل، أحد المشاركين بالاحتجاجات، يوم الأربعاء، لسوريا على طول، إن النزوح يخلق “ظروفا إنسانية صعبة”، مضيفاً “نحن لا نحصل على أية مساعدات، وما من ضمانات بأننا سنجد مكانا نعيش فيه باستمرار”.

وفي ريف الباب، تحدث الناشط بلال أبو الليث عن سيناريو مشابه لمخيمات النزوح التي يخرج إليها سكان تادف.

وقال أبو الليث إن “المخيمات ترفض استقبال أهالي المدينة لأن هذه المخيمات أقيمت لنازحين من بلدات بعينها، حسب ادعاء القائمين عليها، مثلاً هذا المخيم لأهالي الزبداني وذاك لأهالي مدينة حمص”.

وختم أبو الليث قائلا “نحن مصرون على المضي قدما والعودة لمدينتنا (…) فكيف لنا أن نترك ممتلكاتنا لهم وقد اعتدنا التمسك بالأرض والعرض.”!

ترجمة: فاطمة عاشور