مناطق المعارضة: فوضى القضاء في ظل انعدام وجود هيئة قضائية موحدة

الكاتب\ة Mohammed Ghazi , Skwisgar

لم يترأس محمد نور الدين الحميدي، أية جلسة محكمة خلال السنوات الثلاث الماضية.

القاضي السابق، الذي يحمل شهادة الدكتوراة في القانون الدولي، انشق عن حكومة النظام، في عام 2012. والآن، يساعد القاضي الحميدي الدفاع المدني السوري ومنظمات محلية أخرى في توثيق انتهاكات حقوق الإنسان، في بلدة سلقين، في محافظة إدلب.

وفي حديث مع مراسلة سوريا على طول، بهيرة الزرير، يوضح الحميدي كيف أن معارضة إدلب المتصدعة تعرقل تطوير قانون موحد في مناطق المعارضة.

حيث تقوم الفصائل بتطبيق قوانين مختلفة، عبارة عن خليط من القانون السوري وتفسيرات صارمة للشريعة الإسلامية. ويمكن للأهالي تقديم نفس الدعوى القضائية في مناطق متعددة، وتلقي أحكام مختلفة في كل مرة.

محمد نور الدين الحميدي.

وتفتقر محاكم إدلب إلى وجود موظفين مؤهلين. ويقول الحميدي أنه وعشرات القضاة الذين انشقوا عن النظام، يتم استبعادهم من قبل رجال الدين الذين يديرون العديد من محاكم المحافظة، مضيفا إن “القضاة المنشقون هم بين نارين، بين مطرقة النظام وسندان الجهات المتشددة”.

وفي نيسان أعلنت هيئة تحرير الشام وجيش إدلب الحر، وهما جماعتان ثوريتان في إدلب ولكل منهما نظام قضائي خاص بها، عن تشكيل محكمة مشتركة.

وتحدثت سوريا على طول مع المتحدث باسم جيش إدلب الحر، بهاء السويد، يوم الخميس، الذي أوضح أن المحكمة المشتركة ليست سوى جلسة مؤقتة لحل النزاع بين الطرفين، وأضاف “لا يوجد نظام قضائي موحد في إدلب. فلكل فصيل محكمة خاصة به”.

ولم تتمكن سوريا على طول من التواصل مع المتحدث باسم هيئة تحرير الشام للتعليق بشأن المحاكم في إدلب.

هل يمكنك أن تحدثنا عن القضاء في مدينة إدلب؟

القضاء في المناطق المحررة بدايةً نقول أنه قضاء ضرورة، لكل محكمة لها إجراءات محددة يحددها رئيس المحكمة الذي يديرها، وإضافة إلى أن كل محكمة تتبع فصيلا ما وطبعاً منه من يطبق مشروع القانون الموحد.

وفي كل منطقة توجد محكمة، وفي كل محكمة توجد إجراءات محددة، والمحكمة تتبع نظاما محددا. وتبعاً للظروف التي تمر بها سوريا، فتعددت المحاكم بتعدد الجهات التابعة لها، وفي بعض المحاكم يتم تطبيق خليط القانون السوري والقانون الموحد.

(القانون العربي الموحد: هو مجموعة من القوانين المستمدة من أحكام الشريعة الإسلامية، أقرته جامعة الدول العربية في عام 1996. إلا أن جامعة الدول العربية لم تصادق عليه ولم يُنفذ أبدا على مستوى الدول).

والقضاء ليس قضاءا بالمفهوم الذي يجب أن يكون عليه.

ماهي الصعوبات التي تعيق فعالية القضاء وتطبيقه في مناطق سيطرة المعارضة؟

من أهم الصعوبات التي تعيق عمل القضاء في المناطق المحررة، هي عدم وجود قضاة مختصين يشرفون على المحاكم القائمة حالياً، ومن خلال تواصلي مع جهات قضائية عدة كان واضحاً أنهم يعانون من نقص في الكوادر العاملة، علماً بأننا نحن كقضاة منشقين ويبلغ عددنا 87 قاضيا منشقا في عموم البلاد، جميعنا لا نعمل في أي من محاكم المناطق المحررة.

ومن ناحية أخرى عدم وجود إجراءات موحدة تتبع من قبل المحاكم، حيث أن كل محكمة تتبع لفصيل ما، فعلى سبيل المثال في إدلب على وجه الخصوص، لا يوجد تعاون بين هذه المحاكم والإجراءات القانونية تختلف تبعاً للناظرين بها، مما يمنع وجود هيئة قضائية موحدة.

فمثلا المواطن يمكن له أن يقيم دعوى ولنفترض أنها أمام المحكمة في منطقة ما فإن خسر الدعوى يمكن أن ينتقل إلى محكمة أخرى ويقيم دعوى ثانية، ليحصل على الحكم الذي يريد.

مهمة الهيئة القضائية، هي الإشراف على القضاء ومحاسبة المسيء والفاسد، وإن عدم وجود هذه السلطة العليا والتزام وتطبيق القضاة للقوانين الواجب تطبيقها، كان سببا رئيسيا لفقدان القضاء لهيبته التي يجب أن يكون عليها.

محكمة جبهة فتح الشام في سلقين، 2016. تصوير: جريدة زيتون.

برأيك، ما هي الأسباب التي جعلت القضاء فاسداً في مناطق المعارضة، كإدلب؟

أهم الإشكاليات التي أفسدت القضاء، هي أن معظم القضاة الذين يديرون المحاكم في الوقت الحالي، يحملون شهادة الثانوية أو الإعدادية، واتبعوا دورة لمدة أسبوع أو شهر ومن ثم قاموا بمزاولة مهنة القضاء.

للأسف هناك عدد كبير من الأشخاص الذين تطفلوا على الثورة، وهم ليسو ثوار ولكنهم عبارة عن أشخاص مأجورين للنظام، وعلى كل المستويات العسكرية أو القضائية، حتى ممن انشق منهم عنه كانت غاية انشقاقهم تشويه الثورة وحرفها عن مسارها عموماً باستغلالهم عدم وجود محاسب أو رقيب.

القضاة المنشقون هم بين نارين، بين مطرقة النظام وسندان الجهات المتشددة.

كما أن رجال الدين، ممن يعملون الآن كقضاة لا يقبلون أن يكون إلى جانبهم قاض مدني لأنهم يعتقدون أن وجود القاضي المدني يلغي وجودهم، وهذه هي الإشكالية التي أفسدت القضاء.

ما هي الأسباب التي جعلتك تبتعد عن مزاولة مهنتك كقاضي طوال السنوات الثلاث الماضية؟

أنا بدوري أحمل كل الفصائل ورجال الدين مسؤولية ابتعاد القضاة المنشقين عن المحاكم التي شكلتها المعارضة.

اتُهمنا نحن كقضاة منشقين بالعلمانية منذ بداية الثورة من قبل رجال الدين، لأننا نطبق قانون النظام، بالرغم من أن القانون موجود منذ الخمسينات قبل وجود حافظ الأسد في السلطة، واعتمدوا هذه الحجة كذريعة لإبعادنا عن منصة القضاء.

وكانت لنا تجربة في الماضي، حيث أنشأنا محكمة حارم عام 2013، وكان يديرها قضاة منشقون وكنت رئيس النيابة العامة فيها، ولكن بعد دخول تنظيم الدولة تم إغلاقها وإبعادنا عن القضاء منذ ذلك الحين.

وبعد إغلاق المحكمة، آثر قسم من القضاة المنشقين البقاء في البلاد، والبعض الآخر غادر سوريا نتيجة الحاجة المادية.

لماذا اتهمكم رجال الدين بالعلمانية، هل هناك أية نصوص في القانون السوري تتعارض مع أحكام الشرع الإسلامي؟

القانون السوري من أقوى القوانين المطبقة في البلدان العربية، وإذا أردنا أن نبحث عن النصوص المعارضة للشرع الإسلامي، فنجد على سبيل المثال الأحوال الشخصية، مأخوذة من مجلة الأحكام العدلية ومعظم موادها تتبنى رأي المذهب الحنفي.

(أنشأت مجلة الأحكام العدلية بعد توقف حرب القرم الأولى بين العثمانيين والروس حيث أنشأ السلطان عبد المجيد لجنة من الفقهاء الحنفية مع مساهمين من المذاهب الثلاث الأخرى لتقنين القضاء والأحكام الفقهية الإسلامية فصدرت مجلة الأحكام العدلية في منتصف القرن التاسع عشر).

ورداً على الادعاء نحن وجدنا أن هناك 5 مواد من قانون العقوبات في القانون تخالف الشرع الإسلامي فيما يتعلق بالحدود، ولكن في الوقت الحاضر هذه الحدود معلقة، إذاً ليس هناك إشكالية فيما يتعلق بالشرع والقانون.

(الحد في الإسلام عقوبة مقدرة للمصلحة العامة وحماية النظام، وقد قرر القرآن والسنة النبوية حدودًا لجرائم محددة تسمى جرائم الحدود. على سبيل المثال، فإن حد السرقة هو قطع يد السارق).

ترجمة: سما محمد.