جندي منشق: كيف هربت من أخطر الجبهات في سورية

الكاتب\ة Osama Abu Zeid

لم يكن سالم عياش، وهو حلاق من مدينة دمشق القديمة، يتخيل يوماً أن يجد نفسه على واحدة من أخطر خطوط الجبهات في الحرب السورية.

كان عياش، 28عاماً الآن، يحاول أن يغادر سورية عبر حاجز على الحدود اللبنانية في عام 2015، حين أخبره ضابطٌ على الحاجز أن اسمه في قائمة المطلوبين.

وبعد عدة أيام، وُضع في طائرة متجهة إلى شرق سورية، حطت في مدينة دير الزور، حيث يسيطر النظام على حيين هناك والمطار العسكري القريب.

لا يمثل الحيين والمطار ليسا سوى جزيرة صغيرة في بحر مناطق سيطرة تنظيم الدولة. حيث يتم إنزال الطعام والإمدادات إلى المدنيين المحتجزين في هذه المناطق جوياً.

وكان تنسيب عياش للفرقة 17 احتياط، التابعة للجيش العربي السوري، ومن مهامه الحفاظ على أحياء دير الزور تحت سيطرة النظام.

وفي دير الزور، قال عياش الذي لم يكن منخرطاً بالسياسة أو معنياً بها، أنه وجد نفسه فجأة في عالم من القتل والجنون، جندياً على جبهة حرب لم يكن يوماً يتوقع أن يكون فيها.

“حين كان مقاتلو تنظيم الدولة يتقدمون، فإن أولئك الذين يستطيعون إطلاق النار، كانوا يطلقون “ولكن دون تركيز”. وتابع الجندي السابق، “أما العناصر الآخرين فلا يعلمون كيفية استخدام السلاح، وغالباً ما يقعون أسرى بيد التنظيم، ونراهم لاحقاً في إصدار للتنظيم يقطع رؤوسهم”.

بعد خمسة شهور أمضاها على الجبهة، تمكن عياش آخيراً من إيجاد مهرباً له. فبعد تردده وخوفه من إطلاق النار على مقاتلي تنظيم الدولة، تملكته الشجاعة أخيراً ليصوب النار على شخصٍ، آلا وهو: نفسه.

مقاتلون موالون للحكومة في دير الزور عام 2016. حقوق نشر الصورة لشبكة أخبار دير الزور.

وبعد إخلائه من دير الزور، انشق عياش واتجه إلى مناطق سيطرة المعارضة في شمال غرب سورية. وهناك دفع لمهرب ليوصله إلى تركيا في السنة الماضية.

في اسطنبول، عاد ليعمل حلاقاً، والتقى بـأسامة أبو زيد، مراسل سوريا على طول، وحكى له قصته.

وهنا، سنسرد روايته بلسانه في خمسة فصول.

هناك بعض النقاط في قصة عياش لم تتمكن “سوريا على طول” من التأكد منها باستقلالية. إلا أن حكايته تتوافق مع تقاريرنا السابقة والروايات التي سمعنا بها من أرض الميدان. عياش هو الاسم الوهمي الذي منحته “سوريا على طول” له بسبب وضعه القانوني كمنشق عسكري، ولأن بعض الأفعال التي قام بها غير قانونية.

البداية
خلال الأزمة في سورية كنت أسكن مع عائلتي بعد أن قضيت سنين في الأردن أعمل هناك وفي شهر كانون الثاني عام 2011 عدت إلى سورية بسبب مرض والدي الذي يعاني من تضيق في شرايين القلب، واضطر لإجراء عملية.
خلال الأزمة ومع حديث الثورة وموجة المظاهرات قررت أن لا أشترك بأي شيء سواءً كان في صف الثورة أو حتى كموالي للنظام، رغم أنني غير مقتنع بالنظام لكن كان قرار عدم مشاركتي من باب الاهتمام بنفسي وعائلتي وعدم تعرضي لأي مصير لا أرغب فيه إن كان اعتقالاً من النظام أو فراق عائلتي بانضمامي للثورة مع مواجهة عائلتي خطر البقاء في دمشق.

خلال الفترة التي عشت بدمشق(نحو خمس سنوات) مع مرور الوقت كانت الأمور تزداد سوءاً، إذ لم يعد هناك شباب كثيرون في الحي، معظم الشباب يخشون الحلاقين، لأن النظام عادة ما يقوم بحملة مداهمة على أماكن تجمع الشباب لسحبهم للاحتياط او الاعتقال.

 كنت أخشى أن أكون يوماً ما من بين المعتقلين للاحتياط فجأة. قررت الخروج بعد زواجي بشهر واحد فقط.
في تشرين الثاني عام 2015 تزوجت وقررت المغادرة إلى تركيا قبل إعلانها قرار فرض التأشيرة (فيزا) لدخول أراضيها بالنسبة للسوريين، وبعد حجزي لتذكرة الطيران من لبنان، ودعت أهلي وزوجتي التي ستلحق بي بعد نحو شهر من وصولي تركيا، ريثما أجد مسكن وعمل مناسبين.

توجهت إلى لبنان من دمشق عبر طريق “دمشق-بيروت” نحو معبر “المصنع” الحدودي (في الجبال غرب دمشق) خلال الطريق واجهت عدة حواجز أمنية وكانت جميعها “تفتش” اسمي، ولم يكن هناك أي إشكال في مروري ووجهتي.

ولكن عند المعبر من الجانب السوري وبعد أن أخذ ضابط في المعبر بطاقتي الشخصية، طلب مني النزول من الحافلة وإنزال أمتعتي، وعند سؤالي لماذا؟!
قال لي: “مطلوب”.

الجنود السوريون في دير الزور في صورة نشرت على الإنترنت في أذار 2017. حقوق نشر الصورة لـ شبكة أخبار دير الزور.

وأجبته: “منذ أقل من 7 دقائق كان هناك حاجز وقبله حواجز عديدة.. ولم يكن هناك أي إشكال على اسمي؟!”
فقال لي: ” الآن أصبح لك اسم للخدمة العسكرية الاحتياطية.. عجبك ولا ماعجبك؟!”
وهذا كان قراره دون وجود اسم فعلي لأن البرقيات في مثل تلك الحالات تكون خلال الدوام الرسمي الحكومي وليس في الساعة 6 مساءً!، وقبله بدقائق لم يمكن لي أي اسم للخدمة الاحتياطية على أي حاجز كان!

[الدوام الحكومي في سورية من الساعة 8 صباحاً حتى الساعة  3.30 بعد الظهر].

تم وضعي في غرفة وكان هناك 6 شباب وبعدها تم أخذنا نحو منطقة “الدريج” على بعد 8 كم غرب دمشق وكان هناك عدد كبير من الشبان الذي تم اعتقالهم وأخذهم للاحتياط.

[في تشرين الثاني، 2015، كتبت مواقع موالية للمعارضة عن حملة تجنيد و اعتقالات واسعة في منطقة دمشق، وإخضاع  بعض المجندين الذين تم اعتقالهم لدورات تدريبية في معسكر الدريج. وقال سالم إنه لم يتلق أي تدريب حينما كان المعسكر].

كنت مصدوماً وأسال نفسي.. أين أنا؟! .. إلى أين ذهب؟!.. ماذا يحدث؟!.. أهو حقيقة أم حلم؟!

وبعد أقل من 24 ساعة تم أخذنا بطائرة عسكرية وكان عددنا ما يقارب الـ 350 شخص إلى مطار القامشلي شمال شرق سورية، وهناك بقينا لمدة 3 أيام كان لا يسمح لأي شخص المغادرة حتى إلى الحمامات دون مرافقة وكأننا في معتقل وتم وضعنا جميعاً في “مهجع واحد”.
 وكان كثيرون ممن كانوا معي يفكرون بالهرب وأن الهرب سهل هنا حيث الحدود التركية قريبة لكننا لم نستطيع.

** الجبهة

بعد ثلاثة أيام تم نقلنا على شكل مجموعات إلى مدينة ديرالزور بطائرة حوامة ( هيلكوبتر) وتم إنزالنا في المدينة لخطورة وصول الطائرة إلى مطار ديرالزور واستهدافها من قبل داعش.
عندما وصلت ديرالزور لم أتخيل لدقيقة أن أكون هنا يوما ما، وكلما كان يسمع أحدنا عن ديرالزور، يتبادر لذهنه الحصار ووحشية داعش، علماً أنهم لم يخبرونا أبداً خلال نقلنا عن وجهتنا.
عند وصولنا لديرالزور تم فرزنا على جبهة القتال مباشرة وكان سلاحنا عبارة عن بندقية كلاشنكوف صينية المنشأ و أربعة مخازن رصاص سعة كل منها 30 رصاصة و 150 رصاصة احتياطية في الجعبة الخاصة بنا.

كنت أتبع للفرقة 17 الاحتياطية في ديرالزور بقيادة اللواء محمد خضور.
وضعونا على الجبهة دون تدريب أو حتى شرح كيفية استخدام السلاح، فقط عندما تسلمنا الكلاشنكوف تم إعطاؤنا درس كيف يقوم المجند بفك وتنظيف سلاحه لمدة ربع ساعة فقط!، علماً أن معظم من تم سوقهم معنا إلى ديرالزور لا يعرفون كيفية استخدام السلاح أو حتى لم يطلق رصاصة في الماضي فهناك شبان لم يلتحقوا سابقاً بالجيش.

 ولم أكن أعلم كيفة استخدامها جيداً أبداً ففي خدمتي العسكرية سابقاً كنت أدفع مبلغ من المال شهرياً لأحد الضباط مقابل إعطائي إجازات متتالية وهذا ما نسميه في سورية بالعامية “تفييش” حيث لا يذهب العنصر لأداء واجبه العسكري وبالمقابل يدفع شهرياً رشوة لضابط يقوم بإعطائه أذونات متتالية (وهذا كان شائعاً في سورية قبل الحرب).

بعد أيام من وضعنا على جبهة حي صناعة تم نقلي إلى مطار دير الزور بطائرة هيلكوبتر وكان الوضع هناك أيضاً كارثياً؛ ضباط لم يروا أهلهم منذ أكثر من عام، كان هناك جنود انتهت خدمتهم العسكرية منذ سنين لكن النظام لم يقم بتسريحهم ولم يروا أهلهم أبداً.

الطعام سيء، يسود الخوف والإرهاق واضح وبصراحة الجنون يسيطر على عقل أي فرد هناك. طعامنا طيلة الأسبوع خبز يابس بمعدل 4 أرغفة يومياً فقط ونصف لتر من الماء، ونحصل على بيضة مسلوقة كل عدة ايام. بينما نأكل حبة بطاطا مسلوقة واحدة فقط في الأسبوع.

بعد ما رأيته وما شهدته بدأ اليأس يهيمن على عقلي.
ونحن في الجبهة، حيث اختبئ مع بعض العناصر في خندق صغير، كان تفكيرنا مشلول، فلم نكن نعلم ماذا نفعل.

جنود الجيش السوري في دير الزور في آواخر عام 2016. حقوق نشر الصورة لـ شبكة أخبار دير الزور.

السبيل الوحيد للهروب هو أن تتعرض لإصابة خطرة أو عظمية بحيث لا تكون إمكانية شفائك قريبة أو لن تكون قادراً على القتال مرة أخرى.
بسبب الظروف النفسية التي يمر بها الجميع كان شتم بشار الأسد أمراً عادياً وأمام الضباط الذين هم أحياناً ما يشتمون بشار الأسد والجيش والحال الذي وصل بهم في ديرالزور.

علماً أن تسليح المطار وأحياء ديرالزور التي يسيطر عليها النظام محدوداً جداً، حتى الذخائر الفردية قليلة وتُرمى من الطائرات مع الأطعمة.

وأنا متأكد لو أراد تنظيم داعش السيطرة على المطار أو على الأحياء لاستطاع ودون عناء كبير. أولاً من ناحية التسليح الضعيف للجيش السوري هناك، وثانياً نفسية المقاتلين وعدم معرفة أغلبهم لكيفية القتال ولا يمكن أن تصل إلينا مساندة من قوات أخرى في حال الهجوم ولربما نقتل جميعاً أو نكون أسرى.

***اليأس
بدأ الخوف والهوس لدي يزداد يوماً بعد يوم ومع كل هجوم لداعش حول المطار حيث يبدأ التنظيم بإطلاق طائرة دون طيار يصور مواقعنا ويطلق قذائفه بدقة ثم يرسل مفخخة.
لا نملك أسلحة متطورة لإيقافها سوى قاذف أر بي جي ولا يمكن تأثير في درع المفخخة التي تنطلق إلينا بسرعة البرق.

وحين يتقدم عناصر تنظيم داعش، كان من يستطيع منا إطلاق النار يطلق عليهم ولكن دون تركيز. أما العناصر الآخرين فلا يعرفون كيفية استخدام السلاح، وغالباً ما يقعون أسرى بيد التنظيم ونراهم لاحقاً في إصدار للتنظيم يقطع رؤوسهم.
وفجأة يوقف تنظيم داعش هجومه ويعود أدراجه وكأنه لا يريد السيطرة على شيء مجرد قتل وأسر عناصر.
ومع كل أسير يصيب الجنون عنصر أو أكثر فيقوم أحدهم بإطلاق النار على نفسه من أجل الحصول على إجازة وهنا يتم التحقيق معه وإذا تبين أنه أطلق النار على نفسه في فترة لا يوجد فيها اشتباكات أو تبين أن الرصاصة من بندقيته يتم إعدامه ميدانياً مباشرة ليكون عبرة لباقي الجنود.

إلى أن قام شخص وكنا في خندق واحد بعد إصابته بحالة من التوحد والصمت والعزلة عن الحديث، وفجأة أطلق رصاصة من بندقيته في صدره أعلى قلبه وهنا صعقنا ولا نعلم ماذا نفعل نقلناه إلى مركز الضباط في المطار وقرروا إخراجه إلى دمشق للعلاج لكن لم يمض سوى ساعتين أو ثلاثة وفارق الحياة فلا يوجد أي معدات طبية أو أدوية.

وهناك شبان قرروا الهروب باتجاه تنظيم داعش وتسليمهم أنفسهم أملاً في أن يسمحوا لهم بالعودة إلى أهليهم وبأنهم منشقون لكن التنظيم يعدمهم مباشرة ويعلق رؤوسهم على جبهة القتال ونحن نراهم مباشرة ويزداد الرعب في قلوبنا وإلى متى؟! دائماً ما نسأل أنفسنا.

عندما رأيت الرؤوس المقطوعة تفجر لدي غضب شديد وكنت نادماً على أنني لم أطلق رصاصة واحدة في البداية نحو عناصر التنظيم لأني كنت أخاف من فكرة أن أقتل شخص فلا أستطيع أن أقتل لكن وحشية داعش جعلتني أندم بأنني لم أطلق بشكل مباشر.

****الهروب
كنا نمتلك الهواتف النقالة التي اشتريناها من أهالي ديرالزور، فكانت وسيلتنا الوحيدة للتواصل مع أهلنا الاقتراب والمخاطرة بأرواحنا نحو نقطة تماس متقدمة جداً مع داعش ليلاً كي نحصل على تغطية للهاتف.

في أذار 2016، تمكنت من الاتصال بأهلي وزوجتي وأخبروني بأن زوجتي حامل ولم يبق وقت على ولادتها.
هنا ازددت بكاءً (حين سمعت الخبر) وكنت أتمنى أن أموت لينتهي الكابوس الذي أعيشه كنا جميعنا في ديرالزور نبكي كالأطفال. إلى متى؟! ما الحل؟! ما الخلاص؟!
هنا قررت أن أعرض نفسي لأكون هدفاً لقناصة داعش كي أتعرض لإصابة وقد تكون الإصابة قاتلة فلا أعلم لكنني غامرت بحياتي لأنه لابد من ذلك، فكنت أمشي في أماكن يستهدفها قناص من داعش وأعبر في أماكن يستهدفها القناص ورغم هذا لم أتعرض لإصابة و كان الإحباط يزداد لدي.
وكنا دائماً ما ننام عطشى أو لا ننام من التفكير بمصيرنا أو أي طريقة للخلاص.
تم نقلي بعد ذلك من جبهة المطار إلى أحياء ديرالزور(يحاصرها تنظيم الدولة) مرة أخرى وتحديداً جبهة حي الصناعة.

هناك تمكنت من أن أشتري بعض الطعام الذي يُلقى أساساً كمساعدات للأهالي وللجنود في الجيش، لكن بعض الضباط يهيمنون على تلك المساعدات بشكل كامل ويقومون ببيعها لأهالي ديرالزور المحاصرين الذين بدورهم يقومون ببيعنا تلك المساعدات التي نشتريها من خلال رواتب الجيش الذي تقدم لنا وهو مبلغ 35 ألف ليرة سورية، شهريا.

كنا نشترك أنا وبعض الأصدقاء حولي لنشتري كيلو من السكر أو كيلو من الأرز ونحصل على وجبه جيدة مرة واحدة في الشهر.

علماً أننا كنا نكذب على ضباط بأننا قد قتلنا داعشياً كي نحصل على مكافأة وهي عبوة ماء! وكنا نشهد مع بعضنا على أننا قلتنا داعشيا لكن لم نفعلها في الواقع.

ولم يمض وقت حتى هاجم تنظيم داعش حي الصناعة في نيسان 2016 وبدأت الاشتباكات بقوة. ولم تكن سوى لحظات حتى حزمت امري وتملكتني الشجاعة وقررت إطلاق النار على نفسي على أنها خلال الاشتباك.

أحضرت قطعة من الخشب ووضعتها على يدي وأطلقت النار. واستخدمت الخشب كي لا تحدث حروق مباشرة من فوهة السلاح عند ملاصقتها يدي مما يكشف أنني تعرض للإصابة مباشرة في التحقيق، وتم إسعافي للخطوط الخلفية ومنها للمشفى وهناك لا يوجد أي دواء، حتى مسكن ألم لم يقدم لي وبعد وقت قصير علمت أن داعش سيطر على حي الصناعة وأسر عدد كبير دون أن يطلقوا النار لعدم معرفتهم استخدام السلاح. أو أن الكلاشنكوف صينية المنشأ لم تعمل بسبب رداءتها.
حالة الفوضى التي خلقتها معركة حي الصناعة ساهمت بعدم تعرضي لتحقيق مُركز وساهمت شهادة أصدقائي بأنني أصبت في المعركة بتسريع التوقيع على إجازة.

**الرحلة

نُقلت إلى القامشلي ومنها إلى مدينة حماة، ومن ثم إلى مطار حماة العسكري وبعدها إلى مستشفى لمتابعة العلاج وعندما سُمح لي بالتوجه إلى دمشق، تواصلت مع مهرب عبر أصدقائه الموجودين في شمال سورية.

لم أكن أتخيل أن أعود مرة أخرى إلى ديرالزور وأعيش الكابوس الذي عشته فيه.

 اتفقت مع أحد المهربين على نقلي إلى أماكن سيطرة الجيش الحر في إدلب، و لم يكن المهرب يعلم أنني عسكري منشق إنما مدني مصاب ويريد الذهاب نحو الشمال السوري (إدلب).

حصلت على المبالغ المالية في حماة عن طريق شقيق زوجتي وهو يعمل في قطر، أخبرته بقصتي وحالتي عبر الواتساب وطلبت منه مبلغ مالياً فأرسله إلى صديقه في تركيا وهو نسق مع المهرب بخصوص الأجور المالية وكيفية إرسالها.

 كانت الرحلة إلى إدلب عبر محطات على الدراجات النارية بين القرى حتى وصولي إلى ريف حماة و من ثم ريف إدلب. في إدلب مكثت عند أقارب أصدقائي ومعارفهم الذين كنت أتواصل معهم.

كان أهلي يعلمون بأني أريد الانشقاق وحاولوا دفع مبالغ مالية كبيرة لضباط في دمشق ليصدروا قرار نقلي من ديرالزور إلى أي جبهة أخرى لكن لم يستطع أي ضابط مساعدتهم، لم يعلم أهلي بانشقاقي حتى وصلت إلى إدلب.
 وهناك شفيت نسبياً من إصابتي رغم حدوث تلف بالأعصاب في يدي فقد فقدت الإحساس جزئياً في يدي مع حركة خفيفة باليد. وبعدها بدأت محاولات الدخول تهريب إلى تركيا بالقرب من أطمة شمال غرب إدلب على الحدود مع تركيا.

وبعدها تواصلت زوجتي مع اهلي فأرسل لي والدي 800 دولار أيضاً كي اقوم بالتهريب إلى تركيا على أمل أن أُحضر زوجتي التي ولدت بطفلتي ولم أرهم بعد.

استطعت أن أدخل تركيا وعدت للعمل في مجال الحلاقة الرجالية في اسطنبول. وحاولت زوجتي ومعها طفلتي عدة محاولات لأجل أن تلحق بي زوجتي و طفلتي لكن لم تنجح.
ولم يبق لي  خياراً لألتقي بزوجتي وطفلتي سوى السفر إلى السودان (لايحتاج فيزا للسوريين). وحين أجتمع بزوجتي وطفلتي سأكمل من السودان إلى مصر عبر الحدود البرية حيث يوجد أحد أقربائي في مصر.
وخلال عملي في تركيا جمعت بعض المال أيضا ومن خلال مساعدة أقاربي وأقارب زوجتي  قمت بجمع مبالغ مالية صغيرة لأجلنا، تمكنت من السفر إلى السودان. [ في 2أيار].

[قبل عدة أيام وصلت زوجة سالم وطفلته إلى السودان. وهم الآن بانتظار الخطوة التالية وهي المغادرة الى مصر].

ترجمة: فاطمة عاشور