الاقتتال بين الفصائل يتسبب بانقسام الغوطة الشرقية “ويؤجج الكراهية بين الأهالي”

تسبب الاقتتال الدموي، بين الفصائل الثورية، بشلل في الحركة داخل ضواحي الغوطة الشرقية، الخاضعة لسيطرة المعارضة، حيث يضطر الأهالي للتنقل ضمن مناطق المواجهات وعمليات القنص من جبهات النظام للوصول إلى المراكز الطبية وأماكن العمل.

ومع دخول الصراع على السلطة بين الفصائل أسبوعه الثالث، توقفت وسائل النقل-التجارية والإنسانية والطبية- في جميع أنحاء الغوطة الشرقية، بشكل شبه كامل، إضافة إلى مقتل مئات المقاتلين والمدنيين من كلا الطرفين.

وامتد النزاع بين الطرفين إلى واحد من أكبر الطرق في الغوطة الشرقية، والذي يعد الشريان الرئيسي الذي يمتد على طول المنطقة المحاصرة.

واليوم، تمنع عشرات الحواجز العسكرية، والسواتر الترابية، والأعيرة النارية، المدنيين من اجتياز الطريق المركزي، والذي كان مزدحما في السابق، في الغوطة الشرقية، وفقا لما يقوله خمسة من أهالي الغوطة، لسوريا على طول. ويضيف الأهالي إن النتيجة “كارثية”: فالمعلمون لايستطيعون الوصول إلى مدارسهم، ولا الأطباء إلى مستشفياتهم، كما أن أفراد الأسرة الواحدة باتوا منفصلين عن بعضهم البعض، وباتت المنطقة بأكملها تعاني الانقسام.

في السياق، قال حكيم الدمشقي، مصور ومنتج في الغوطة الشرقية، لسوريا على طول “لم يعد يتنقل [بين القسمين] إلا من يضطر إلى ذلك”، وأضاف “أصبح الطريق طويلا وخطيرا وفي أية لحظة يمكن أن يتججد الاشتباك، ويتم استهداف المدنيين وإصابتهم، إما بشكل مباشر أو غير مباشر، بطلق ناري أو من خلال القنص.”

وتشكل الغوطة الشرقية، التي تضم ما يقارب اثنتي عشرة بلدة وقرية تتعرض للقصف شرقي دمشق، موطنا لما يقدر ب 400 ألف شخص. ويحاصر نظام الأسد معقل المعارضة منذ عام 2012، كما يسيطر على مداخل ومخارج المواد الغذائية والأدوية وكذلك المواطنين. وعلى الرغم من استمرار مدفعية النظام بضرب الغوطة الشرقية، فإن المنطقة الخاضعة لسيطرة المعارضة نجت إلى حد كبير من الضربات الجوية التي يشنها النظام وروسيا، في الأيام الأخيرة، نتيجة للخطة الدولية، التي طُرحت في 6 أيار، والمتعلقة بإنشاء مناطق خفض التصعيد في بعض المناطق التي يسيطر عليها الثوار.

وفي شمال المنطقة المقسمة والخاضعة لسيطرة المعارضة، يسيطر جيش الإسلام، وهو أقوى فصائل المعارضة سياسيا وعسكريا، على مدينة دوما عاصمة الغوطة الشرقية. أما الجنوب، الذي يشير إليه السكان أيضا باسم “القطاع الأوسط” في الغوطة الشرقية، فهو خاضع لسيطرة فيلق الرحمن وهيئة تحرير الشام، وهي تحالف إسلامي يضم جبهة فتح الشام المرتبطة بتنظيم القاعدة سابقا.

إلى ذلك، اندلعت المواجهات بين الثوار، في نيسان، عندما هاجم جيش الإسلام مقرات هيئة تحرير الشام، ضمن حملة وصفها جيش الإسلام، بأنها حملة للقضاء على جبهة النصرة، الاسم السابق لجبهة فتح الشام، في الغوطة الشرقية.

سكان الغوطة الشرقية يحتجون على الاقتتال الداخلي بين فصائل المعارضة في نيسان ويحملون لافتات تقول: “ياحيف …لا للاقتتال بين الفصائل”. تصوير: مركز الغوطة الإعلامي.

ومن أجل التحرك بين قسمي الغوطة الشرقية، يتوجب على السكان أن يسلكوا طريقا متعرجا وخطيرا، يمر عبر جبهات قتال الثوار كما تفصله أمتار قليلة عن موقع قناصة النظام. ومع نقص الوقود في الغوطة الشرقية، غالبا ما يقطع الأهالي الطريق سيرا على الأقدام، فتتحول بذلك الرحلة التي كانت تسغرق 10 دقائق إلى رحلة قاتلة قد تمتد لساعات.

وعلى صعيد متصل، لقي ما لا يقل عن ثلاثة أشخاص، بينهم طفلين، مصرعهم بسبب استهداف الثوار للطريق، بعد اندلاع الاقتتال فيما بينهم، للمرة الأولى، في أواخر نيسان. وقال الناشط، الدمشقي، إن أكثر من 400 مقاتل ومدني قُتلوا جراء الاشتباكات، منذ ذلك الحين.

ولا يعد النزاع بين صفوف الثوار هو الأول من نوعه في الغوطة الشرقية. فقبل عام واحد فقط من اندلاع الاقتتال الحالي، وجهت فصائل المعارضة أسلحتها ضد بعضها البعض، لمدة أسبوعين في نيسان وأيار 2016، وكانت نتيجة القتال فقدان مساحات واسعة من المناطق الزراعية لصالح قوات النظام، بحسب تقرير نشرته سوريا على طول، في ذلك الوقت.

لكن هذه المرة “أشد وأخطر”، وفقا لما قالهالدمشقي لسوريا على طول.

وخلافا لما حدث في عام 2016، تم منع سيارات الإسعاف من العبور بين المناطق الخاضعة لسيطرة الأطراف المتنازعة عبر الطريق المركزي المتنازع عليه. وقال وائل علوان المتحدث باسم فيلق الرحمن، لسوريا على طول، إن فيلق الرحمن يتهم جيش الإسلام باستخدام سيارات الإسعاف لتمرير القناصة عبر الحواجز “لذلك اضطررنا لإيقاف دخول سيارات إسعاف للقطاع الأوسط”.

من جهته، نفى جيش الإسلام هذا الاتهام، ووصفه بأنه “كلام عارٍ عن الصحة”، وفقا لما ذكره حمزة بيرقدار، الناطق باسم هيئة أركان جيش الإسلام، لسوريا على طول.

“نحاصر بعضنا”

أدى الاقتتال بين فصائل المعارضة إلى تدهور النظام الصحي، الذي يعاني مسبقا من نقص الكوادر والمعدات، في الغوطة الشرقية.

وعلى سبيل المثال، دوما هي المدينة الوحيدة في الغوطة الشرقية التي تحتوي على أجهزة غسيل الكلى. ويتوجب على مرضى الفشل الكلوي عبور جبهات القتال النشطة من أجل الحصول على الرعاية الطبية. وفي الوقت نفسه، تضم بلدة كفر بطنا، جنوب الغوطة، مركز الأمراض المعدية الوحيد في المنطقة، والذي يقدم خدمات علاجية لوباء الحصبة المنتشر منذ أشهر.

وقال ياسر أبو نذير، المسؤول الإعلامي لمركز الحكيم الطبي، جنوب الغوطة الشرقية، لسوريا على طول، إن الاقتتال بين الفصائل أدى “إلى حرمان الأهالي من الخدمات الطبية التي قد لاتتوفر بإحدى القطاعات”. وفي حين أن مكان عمل أبو نذير يقع في منطقة خاضعة لفيلق الرحمن، فإنه يعيش في دوما معقل جيش الإسلام، مما يعني أن عليه قيادة دراجته لأكثر من ساعة كل يوم للوصول إلى عمله.

 واحد من سكان الغوطة الشرقية يتفقد مستشفى بعد غارة جوية في 1 أيار. تصوير: سمير الدومي. 

وقال حكيم الدمشقي، الذي يعمل في مجال التصوير والإنتاج “أصبح الأخ يشهر السلاح في وجه أخيه ونقوم بحصار بعضنا إضافة لحصار النظام فالقطاع الأوسط حالياً يعيش في حصار ضمن الحصار”، مشيرا إلى أن الفصائل تعيق دخول المواد الغذائية والمساعدات إلى المنطقة.

ومنذ اندلاع القتال في نيسان، اتهمت المنظمات الطبية في الغوطة الشرقية فصائل المعارضة المحلية، في مناسبات عديدة، بانتهاك المستشفيات المحايدة والمراكز الطبية من أجل أهدافها السياسية.

وقال أحد العاملين في المنظمة الطبية التابعة لجيش الإسلام في القطاع الأوسط للغوطة الشرقية، أنه تعرض للاعتقال عندما داهمت جبهة فتح الشام مكان عمله، في وقت سابق من هذا الشهر.

وقال محمود، الذي كان يعمل في المنظمة الطبية التابعة لجيش الإسلام، لسوريا على طول “داهمت الجبهة المركز وقاموا بإغلاقه وطرد الكادر الطبي والممرضين، وقاموا باحتجازي مع الكادر لعدة ساعات بعدها تم إرسالنا عنوة إلى دوما، بتهمة أننا نعمل في مركز طبي تابع لجيش الإسلام”.

وتابع محمود “الآن أنا عالق في دوما ولا يمكنني العودة إلى بيتي لأني ممنوع من ذلك، ومعرض للاعتقال، بالرغم من أني لا أنتمي إلى أحد ولست مع أي طرف أنا مجرد عامل في المركز الطبي وأعمل لتأمين لقمة عيشي أنا وعائلتي”.

وعبر محمود عن استيائه قائلا “الأمر مؤلم جداً ويفوق المنطق، هم يُقحمون المدنيين باقتتالهم ويشقون وحدة أبناء المنطقة ويؤججون الكراهية بين الأهالي “.

وفي 13 أيار، تعرض فريق من الأطباء التابع لمكتب الغوطة الطبي “للهجوم من قبل جماعة مسلحة محلية”، وتم احتجازهم قسرا أثناء توجههم إلى مستشفى قريب”، وفقا لبيان صحفي صادر عن الجمعية الطبية السورية الأمريكية، في اليوم ذاته. ولم يتضح من هو الفصيل المسؤول عن الهجوم والاعتقالات.

وجاء في البيان “عندما حضر عاملون في المجال الطبي إلى الموقع للتضامن مع زملائهم، بدأ المقاتلون المسلحون بإطلاق النار على سياراتهم”.

وفي حالة أخرى، أعلنت منظمة أطباء بلا حدود، في وقت سابق من هذا الشهر، إيقاف النشاط الطبي في الغوطة الشرقية “بعد الانتهاكات الأخيرة بحق المنشآت الطبية” من قبل فصائل المعارضة. وجاء في بيان المنظمة أن عشرات “الرجال الملثمين والمسلحين” اقتحموا مستشفى حزة في الغوطة الشرقية في 29 نيسان بحثا عن بعض الجرحى ولسرقة سيارة الإسعاف الموجودة في المستشفى، بينما أصاب إطلاق النار الناتج عن الاقتتال نقطة طبية منفصلة على بعد بضعة كيلومترات إلى الجنوب.

وأضاف البيان إن تعليق نشاط المنظمة هو قرار “تم اتخاذه فى ظل الظروف القاسية(…) ولن تتسامح منظمة أطباء بلا حدود أو الطاقم الطبي الذي تدعمه بمثل هذه الهجمات التي تستهدف مرافق الرعاية الصحية والعاملين فيها”.

ترجمة: سما محمد.